مداخلة السيدة دحو نصيرة، رئيس قسم بالغرفة العقارية بالمحكمة العليا بعنوان ” الأمن القانوني و القضائي في المعاملات العقارية” خلال الملتقى العلمي الدولي حول: ” متطلبات تحقيق الأمن العقاري، المنازعات العقارية الإشكالات و الحلول” يومي 17 و 18 جوان 2025 بنواكشط – موريتانيا

يعتبر الأمن القانوني  والأمن القضائي من أكثر المفاهيم المتداولة  في الوقت المعاصر فالأمن القانوني يعمل على تحقيق الاستقرار في المعاملات والمراكز القانونية، من خلال إصدار تشريعات  متطابقة مع الدستور الجزائري الذي أقر هذا المبدأ  في نص المادة   34  منه  وهدفها إشاعة الثقة بين أطراف المجتمع وإضفاء علاقات قانونية واضحة  حتى يتمكنوا من التصرف باطمئنان،أما الأمن القضائي فيعتبر الضامن الذي يمنح لكل فرد حرية التصرف والثقة في المؤسسات القضائية، وإن كان كلاهما يستوجب توافره في كل المعاملات فإنه يطرح بحدة في المعاملات العقارية لكون العقار في حد ذاته يشكل ثروة، إذ تكمن أهميته الكبيرة في مميزاته التي تزيد من قيمته مع مرور الزمن، وله دور فعال في تحقيق التنمية وانتعاش الحركة الاقتصادية والاجتماعية،ما دفع بالأفراد إلى التنافس حول تملكه، فقد يحدث أن يتعدى الفرد على حقوق غيره ظلما فينتج عن ذلك العديد من النازعات في المجال العقاري، من أجل ذلك سارعت مختلف التشريعات إلى إيجاد نظم تضمن الأمن القانوني، وتحقيق الحماية خاصة للملكية العقارية،والتي لا يمكن الاستيلاء عليها بمرور الزمن، بتوفير الأمن القانوني في مجال الملكية العقارية الخاصة بالحماية القانونية اللازمة، والتي تضمن قوة الاحتجاج ضد كل معتد، وبالمقابل تكسب من يريد التعامل في العقار الثقة والطمأنينة والائتمان عند الإقدام على ذلك التعامل، وهذا ينعكس إيجابا على تحقيق الاستقرار في المعاملات العقارية، و هو ما حرص المشرع الجزائري على تحقيقه من خلال فرضه للرسمية في كل العقود التي تضمن نقل ملكية عقار أو حقوق عقارية بموجب أول قانون للتوثيق  -القانون رقم 91-70[1] وإلا كان التصرف باطلا مستبعدا بذلك العقود العرفية كون هذه الأخيرة لا تُوفر حماية كافية للمتعاملين وتصرفاتهم، إذ أن تلك التصرفات العرفية  لا تتم أمام شخص محدد قانونا وإنما تكون بين متعاقدين  والتي تتيح إمكانية  التصرف في عقار ما عدة مرات مما يثير إشكال حول الأحق بالملكية،الأمر الذي دفع بالمشرع إلى إيجاد نظام قانوني يضمن حماية أكثر للمتعاملين في ذلك العقار،وإعلامهم بوضعيته قبل الإقبال على أي تصرف مما يعطيهم الأمن والثقة في التصرف دون أن تتعرض أموالهم للضياع،ويتمثل هذا النظام في الشهر العقاري بموجب الأمر -75-74[2] المتضمن إعداد المسح العام وتأسيس السجل العقاري معتمدا عليه ويعرف بالسجل العيني العقاري  وهذا النظام هو  أكثر أمنا وحماية للحقوق العقارية، فمسار التصرف العقاري ينطلق  من الرسمية لينتقل إلى  التسجيل لدى مصالح الطابع والتسجيل الضرائب، والشهر في المحافظة العقارية بهدف ضمان أمن قانوني في المجال العقاري، وبالتالي التقليل من المنازعات الواقعة بشأنه وفي حالة وجودها  لا يستعصى على القاضي الفصل فيها في آجال معقولة، و هذا الأمن العقاري لا يكتمل إلا من خلال عصرنة  ورقمنة هذه الإجراءات بالاتجاه نحو التوثيق الإلكتروني عن طريق التعاقد الإلكتروني ورقمنة مصالح التسجيل والحفظ العقاري والحصول على سندات إلكترونية تختزل الكثير من الوقت وتواكب الشوط الكبير الذي عرفه قطاع العدالة وعلى وجه التحديد المحكمة العليا في مجال رقمنة العمل القضائي في إطار برنامج محكمة عليا إلكترونية،  كما أن المشرع قد نص على حماية خاصة تحضى بها بعض الأنواع من الملكيات  العقارية ومنها الملكية العمومية بجميع أنواعها والعقارات المصنفة كأوقاف عامةأو خاصة، و العقارات الفلاحية المملوك  ملكية خاصة والممتلكات العقارية ذات الطابع الثقافي أو ما يصطلح عليه بالعقارات المحمية.

من خلال هذه المعطيات المذكورة أعلاه يمكن طرح الإشكالية الآتية .

هل وفق المشرع الجزائري من خلال توجهه للإقرار المعاملة الرسميةوالشهر لنقل الملكية في المعاملات العقارية لتحقيق الأمن العقاري ومدى مساهمة المحكمة العليا في تحقيق ذلك  سواء عن طريق الاجتهادأو توحيد العمل القضائي،انطلاقا من هذا التساؤل فإن محاور المداخلة تتضمن ما يلي:

المحور الأول

الرسمية  كضمان لاستقرار المعاملات العقارية ومساهمة المحكمة العليا في تكريس ذلك .

المحور الثاني :

 الشهر العيني كنظام محقق لأمن العقاري ومرافقة المحكمة العليا لهذا النظام .

المحور الثالث: رقمنة المعاملات العقارية لتدعيم الأمن العقاري.

المحور الأول:

الرسمية  كضمان إستقرار المعاملات العقارية ومساهمة المحكمة العليا في تكريس ذلك

تلعب الرسمية دوار هاماً ومتميزا في ضمان استقرار المعاملات العقارية، مما جعل المشرع الجزائري يفرضها في العقود التي تتضمن نقل ملكية عقار أو حقوق عقارية حماية للمصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وجعلها ركنا إلزاميا، طبقا للقانون المدني وقانون التوثيق، وقد فوض المشرع إضفاء الصبغة الرسمية على العقود التي تستلزم نقل ملكية عقار أو حقوق عينيةعقارية إلى الموثق بمفهومه العام بصفته ضابطا عموميا مكلفا من قبل السلطة العمومية يسهر على إضفاء الرسمية على كل العقود التي ألزم القانون تحريرها بهذه الصيغة تحت طائلة البطلان، وكذا العقود التي يرغب الأشخاص إعطاءها هذه الصبغة يضفي الشكل الرسمي قيمة قانونية في ضبط الملكية العقارية، وإثباتها وإعطائها حجية مطلقة لحماية الأطراف المتعاقدة والغير، مع الإشارة أن الملكية العقارية في القانون الجزائري لا تنتقل إلا باستيفاء إجراء الشهر العقاري .

أولا :إلزامية الرسمية في العقود الواردة على العقار

تعتبر الرسمية المفروضة في العقود التي تتضمن نقل ملكية عقار أو حق عيني عقاري ذات قوة إثبات مطلقة لأن المشرع اشترط فيها أن تكون في شكل معين وأمام أشخاص محددون قانونا، يعد الشكل الرسمي في التشريع الجزائري ركن من أركان العقد في العقود التي تضمن نقل ملكية عقار أو حقوق عينية عقارية، إضافة للأركان العامة لإبرامه، إذ أن المشرع ألزم إفراغ هذاالنوع من العقود في قالب رسمي ويكون ذلك أمام ضابط عمومي مختص يعد الشكل الرسمي ركنا جوهريا في التعاقد يترتب عن تخلفه البطلان المطلق للعقد،تنص المادة 324مكرر[3] من القانون المدني  على أنه: “زيادة عن العقود التي يأمر القانون بإخضاعها إلى الشكل الرسمي، يجب تحت طائلة البطلان تحرير العقود التي تتضمن نقل ملكية عقار أوحقوق عقارية … في شكل رسمي” عند إبرام المعاملات العقارية حتى تولد حقوقا عقارية وترتب آثارا قانونية وهذا بهدف بعث الطمأنينة والثقة واستقرار المعاملات العقارية وحماية المتعاملين في هذا الميدان.

لكن العقد الوارد على العقار   يرتب كل أثره باستثناء الأثر الناقل للملكية فلا يكون إلا من تاريخ شهره بالمحافظة العقارية، فكل عقد لا يستوفي صفة الرسمية يكون محل رفض الإيداع من قبل المحافظة العقارية وفقا لنص المادة 61من المرسوم 63-76 [4]المتعلق بتأسيس السجل العقاري الذي ينص على أن: “كل عقد يكون موضوع إشهار في المحافظة العقارية، يجب أن يقدم على الشكل الرسمي أي أنه لا تنتقل الملكية العقارية والحقوق العينية العقارية إلا بعد إتمام إجراءات الشهر العقاري وهذه العملية لا تتم إلا بموجب وثائق رسمية، وهذا ما أكدتها المحكمة العليا على أن شهر العقد بالمحافظة العقارية شرط لنقل الملكية، لايترتب عن عدم شهر العقد بطلانه. … “،

نخلص إلى أن المشرع الجزائري جعل الشكل الرسمي ركن من أركان العقد في المعاملات الناقلة للملكية كون أن العقد في هذه المعاملات يُحرر على يد الموثق، وقد اشترط المشرع الجزائري شهر العقد في المحافظة العقارية لانتقال الملكية العقارية وذلك من أجل توفيرالأمن واستقرار في المعاملات العقارية.

ثانيا   :شروط صحة المحرر الّرسمي

تنص المادة 324من القانون المدني الجزائري  على ما يلي: “العقد الرسمي عقد يثبت فيه موظف أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم لديه أو تلقاه من ذوي الشأن وذلك طبقا للأشكال القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه”.

يتبين من هذا النص أن هنالك ثلاث شروط بصحة العقد الرسمي:

الشرط الأول متعلق  بصفة محرر العقد، الشرط الثاني يتعلق بسلطة واختصاص محرر العقدأما الشرط الثالث يتعلق بالأشكال القانونية الواجب إتباعها حسب نص المادة 324 من القانون المدني المذكورة أعلاه.

بالنسبة للشرط الأول نجد أن هناك ثلاثة أصناف خول لهم القانون إضفاء الصبغة الرسمية على المحرر الرسمي وهم الموظف العام – الضابط العمومي- الشخص المكلف بخدمة عامة-

الموظف العام:

طبقا لنص المادة 4من الأمر03-06 [5] المتضمن القانون الأساسي للوظيفة العمومية في الجزائر المعدل والمتمم  فإن الموظف العام هو كل شخص تم تعيينه في وظيفة عمومية دائمة وتم ترسيمه في رتبة من رتب السلم الإداري، كمدير أملاك الدولة، مدير الأوقاف، مدير الحفظ العقاري، القنصل المعين في الخارج  في الممثليات الدبلوماسية طبقا للمرسوم 02/405 المتعلق بالوظيفة القنصلية.. إلخ ، وبالتالي فإن الأوراق في مجال المعاملات العقارية  التي تصدر عنهم  في حدود اختصاصهم تعتبر أوراق رسمية.

الضابط العمومي:

الضابط العمومي هو كل شخص خوله القانون سلطة إعطاء الصبغة الرسمية على المحررات بحكم مهنته، إذ أن الدور الكبير في نقل الملكية العقارية يعود للموثق،فقداشترط المشرع بشأن العقد الرسمي الناقل للملكية العقارية أن يكون محررا أمام الموثق بالنسبة للعقارات التابعة للأشخاص الطبيعية والمعنوية من أشخاص القانون الخاص ، وفقا لنص المادة 3من قانون رقم 06/02[6]  المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق و التي تنص على أنه:    “الموثق ضابط عمومي،مفوض من قبل السلطة العمومية يتولى تحرير العقود التي يشترط فيها القانون الصبغةالرسمية وكذا العقود التي يرغب الأشخاص إعطائها هذه الصبغة”.

3الشخص المكلف بخدمة عامة:

يعتبر الشخص مكلف بخدمة عامة، كل شخص خول له القانون هذه الصفة بحكم مهنته، كرئيس المجلس الشعبي المنتخب في حدود ما خول له المشرع من المهام التوثيقية.

ثانيا: الشروط المتعلقة بسلطة واختصاص محرر العقد

اشترط المشرع أنه لا يكون للمحرر الطابع الرسمي إلا إذا حرره الموظف صاحب السلطةوالاختصاص في تحريره، وفقا لنص المادة 324من ق.م.ج”… في حدود سلطته واختصاصه” ،ويقصد بالسلطة أي ولاية الموظف أو الضابط العمومي وأهليته في تحرير العقدالرسمي،فإذاقام الضابط العمومي قبل تعيينه بتحرير سند رسمي فإنه يكون باطلا، أما الأهليةفهي أن يكون محرر العقد أهلا لتحرير جميع العقود التي تدخل في اختصاصه،النوعي والإقليمي مع الإشارة أن الموثقين منح لهم القانون 06 /02  اختصاص وطني في حين القناصلة العاملين في الخارج  منحهم صلاحية إبرام الهبات والوصايا للرعايا الجزائرين المقيمين.

ثالثا: الشروط المتعلقة بالأشكال القانونية الواجب إتباعها

يشترط أن يكون العقد الرسمي محررا طبقا لبعض الشكليات التي نص عليها القانون ولكل نوع من المحررات الرسمية شكليات معينة، تمر هذه الشروط بثلاثة مراحل أساسية تتمثل فيما يلي:

1مرحلة ما قبل تحرير العقد

تخضع هذه المرحلة لعدة شروط وتتمثل أهمها في التأكد من هوية الأشخاص وطلباتهم و كذا تقديم نصائح للأطراف والتأكد من صحة المعلومات الشخصية وطلباتهم بحيث يقوم الموثق بالتأكد من هوية الأطراف والشهود عن طريق الاطلاع على وثائقهم الرسمية، ويتعين على الموثق ضمان مراقبة صحة طلبات المتعاقدين أي التحري عن مدى مخالفتها للنظام العام والآداب العامة،يتعين على الموثق أن يتأكد من أهلية الأطراف البالغين للسن الرشد المدني وهو19سنة، وغير محجور عليهم من خلال طلب بطاقة التعريف الوطنية وشهادة الميلاد  التي يسجل على هامشها حالة الأشخاص المحجور عليهم  وهذا من أجل استقرار المعاملات العقارية .

2 –مرحلة تحرير العقد وخلال هذه المرحلة  يستوجب على الموثق الحرص على تحرير عقد ليتفادى الوصول إلى طلب بطلانه ومنها  تحرير العقد باللغة العربية توقيع وتحديد هوية الأطراف تحديد أصل الملكية تحديد تاريخ ومكان إبرام العقد تحديد الشهود وتوقيعاتهم ولقداشترط المشرع الجزائري في المادة 324مكرر 3تحت طائلة البطلان حضور شاهدين عند تحرير العقود الاحتفاليةمن طرف ضابط عمومي.

3مرحلة ما بعد تحرير العقد:

العقود التوثيقية الواقعة على العقار لا ترتب آثارها ولا تكون حجة على الغير إلا باستكمال إجراءات التسجيل والشهر حيث اشترط القانون على الموثق تسجيل العقود التي يبرمها لدى “مصلحة التسجيل والطابع”وهذا من أجل تحصيل الدولة للجانب الضريبي لصالح الخزينةالعمومية.

الشـــهر : يعتبر الشهر شرطا ضروريا لحجية الحقوق العينية ويتمثل في نقل الملكية، حيث يلعب الشهرالعقاري دور إعلامي بالنسبة للغير، ودور واقي، يسمح بتجنب الوصول لازدواجية الملاك على نفس العقار وتأمين المعاملات العقارية.

جزاء تخلف الرسمية في المعاملات العقارية

أن الرسمية في المعاملات العقارية تعتبر ركنا للانعقاد، فإذا قضى ببطلانه بطل التصرف ذاته، وفي حالة بطلان العقد  يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد.

أولاً: جزاء الإخلال بالأوضاع الجوهرية

تتمثل الأوضاع أو الأشكال الجوهرية في العقد تلك المنصوص عليها في المواد 26و29من القانون02-06 السالف الذكر، كذكر اسم الموثق، تحرير العقد باللغة العربيةإذ يترتب عن إغفالها والإخلال بها بطلان العقد. في حين تخلف الأوضاع غير الجوهرية لا يترتب عنها بطلان الورقة الرسمية كعدم دفع الرسوم والحقوق، أو عدم ذكر ساعة تحريرها، أو ترقيم صفحاتها.

دور الرسمية في ضمان أمن عقاري:

ألزم المشرع الجزائري الرسمية بغية تحقيق أمن واستقرار في المعاملات العقارية وكذلك لحماية الأطراف المتعاقدة، ومن أجل ذلك يكتسب العقد الرسمي المتوفر على الشروط المحددة قانونا قوة في الإثبات بين المتعاقدين إذ تنص المادة 324مكرر 6من ق.م.ج على أنه: “يعتبر العقد الرسمي حجة لمحتوى الاتفاق المبرم بين المتعاقدين وورثتهم وذوي الشأن،كما تنص المادة 324مكرر7من القانون المدني الجزائري على: “يعتبر العقد الرسمي حجة بين الأطراف حتى ولو لم يعبر فيه إلا بيانات على سبيل الإشارة،شريطة أن يكون لذلك علاقة مباشرة مع الإجراءويعدالسند الرسمي حجة على الأطراف وورثتهم وخلفهم الخاص والعام وهذه الحجية مستمدة من قرينة الرسمية التي توحي بالثقة والائتمان متى كان السند في مظهره يوحي بصحته وسلامته إلى أن يثبت تزويره، فلا يلتزم الشخص الذي يتمسك بسند رسمي بإثبات صحته طالما أن ذلك السند يحمل الختم الرسمي للدولة وتوقيع الضابط العمومي،لكن ما يستوجب التذكير به بأن هذه البيانات ليست على درجة واحدة من الحجية، حيث يجب التمييز بين نوعين من البيانات تتمثل في البيانات المحررة بقلم الموثق وتحت إشرافه والبيانات المحررة من قبل الموثق بناًء على تصريحات الأطراف.

البيانات التأسيسية المشرف عليها الموثق

تتميز هذه البيانات أن لها الحجية الكاملة في الإثبات نذكر منها ما يلي:

حضور الأطراف والشهود والتأكد من هويتهم بوثائق رسمية، التأكد من أهلية المتعاقدين ببلوغ سن الرشد، تدوين تصريحات الطرفين أمامه والتأكد من سلامة الرضا الشروط الخاصة بالعقد، دفع وقبض الثمن إذا كان واجب الدفع، تاريخ السند وتوقيعه من قبل الأطراف والشهود بمحضر الموثق، الإشارة إلى تلاوة السند على الأطراف.

هذه البيانات لا يجوز الطعن فيها إلا بالتزوير، ولا يقبل من الخصم الذي يدعي خلاف ذلك أية وسيلة أخرى لدحض ما ورد بالسند الرسمي إلا بهذه الطريقة من طرق الطعن.

البيانات التصريحية من طرفي العقد

تشمل كل البيانات التي أثبتها الموثق في العقد  باعتباره واردا  من الأطراف والشهود،أو ما دونه بناًء على استماعه للأطراف، ومن بينها :المبلغ المتفق عليه ،استلام الثمن  خارج مكتب الموثق،  معاينةالمبيع،إعفاء  القانون من مهمة التحقيق في البيانات المقدمة، فهي تعتبر صحيحة حتى يثبت صاحب المصلحة عكسها.

يستوجب التأكيد إلى أن حجية العقود الناقلة للملكية العقارية لا تسري على الغير إلا من تاريخ شهرها بالمحافظة العقارية هذا وتنص المادة 16من الأمر 75-74السالف الذكر تنص على أنه: “كل العقود الإدارية و الاتفاقات التي ترمي إلى إنشاء أو نقل أو تصريح أو تعديل أو انقضاء حق عيني لا يكون لها أثر حتى بين الأطراف إلا من تاريخ نشرها في مجموعة البطاقات العقارية”.كما تنص المادة38من المرسوم رقم 63-76 السالف الذكر على أنه: “كل إشهار لعقود أو قرارات قضائية تتضمن إنشاء أو تعديل أو إنهاء ارتفاقات أو حقوقا مشتركة يجب أن تكون موضوع تأشير على بطاقة كل عقار”. أما بالنسية للغير فقد نصت في نفس السياق المادة 92من القانون رقم 11-17 المتضمن قانون المالية لسنة 2018 المعدلة لأحكام المادة  15 من الأمر 74-75والتي تنص على: “حق للملكية وكل حق عيني آخر يتعلق بعقار وجود له بالنسبة للغير إلا من تاريخ يوم إشهارهما في مجموعةالبطاقات العقارية

من خلال هذه المواد إن  الحقوق المتعلقة بالملكية والحقوق العينية المتعلقة بالعقار ونقل ملكيته، لا ترتب آثارها القانونية ولا تكون لها حجية كاملة على الغير إلا من تاريخ نشرها في مجموعة البطاقات العقارية، وهذا بهدف إعلام الغير بكل التصرفات الواردة على العقار مما يُؤدي إلى تحقيق الأمن العقاري واستقرار في المعاملات العقاريةتحقيق الحماية بإضفاء الّرسمية على المعاملات العقارية وبالتالي فإن قاعدة الرسمية لهادورا فعالا في ضمان استقرار المعاملات العقارية، كونها تنطوي على مميزات اشترطها المشرع في المعاملات الواردة على العقار،فالغايةمن الرسمية التي فرضها المشرع هي حماية المصلحة الخاصة والعامة.

مساهمة المحكمة العليا  في تكريس الأمن العقاري

إن الاجتهاد القضائي قد ساير القوانين العقارية  التي أوجبت شرط  الرسمية كركن في العقد في المعاملة العقارية تحت طائلة البطلان، بما يتماشى والسعي إلى تكريس السجل العقاري،وهو ما فصلت فيه المحكمة العليا بموجب قرار الغرف المجتمعة بتاريخ  17/02/1997 رقم 136156، منشور في المجلة القضائية للمحكمة العليا سنة 1997،عدد 01 صفحة 10 :”حيث جاء فيه  من المقرر قانونا أن كل بيع اختياري أو وعد بالبيع وبصفة أعم كل تنازل عن محل تجاري، ولو كان معلقا على شرط أو صادر بموجب عقد من نوع آخر يجب إثباته بعقد رسمي وإلا كان باطلا، من المقرر أيضا أنه زيادة على العقود التي يأمر القانون بإخضاعها إلى شكل رسمي، يجب تحت طائلة البطلان تحرير العقود التي تتضمن نقل ملكية عقار أو حقوق عقارية أو محلات تجارية أو صناعية أو كل عنصر من عناصرها، على الشكل الرسمي”

تبقي مسألة الحيازة والتقادم المكسب الواردة في نص المادة 827 من القانون المدني  التي تنص من الإشكالات التي تطرح في مجال المنازعات نظرا لكون المشرع الجزائري من جهة لم يتضمن في القانون 75/74 الصادر بموجب أمر والمشار إليه تفصيلا أدناه نص صريح لا يجيز الحيازة المؤدية للتقادم المكسب في المناطق التي خضعت للمسح العام وأصبحت تحت نظام الشهر العيني  كما فعلت بعض القوانين العربية [7]وأمام ذلك تثار في دعاوي استحقاق الملكية دفوع بالتقادم المكسب واتجه قضاء المحكمة العليا بادي ذي بدأ لجواز الحيازة في العقارات تأسيسا على نص القانون المدني حتى في العقارات التي تم إخضاعها للمسح العام ومنحت بشأنها دفاتر عقارية  ومنها  القرار الصادر عن المحكمة العليا بتاريخ 2008/01/05 تحت رقم  479371 والمنشورفي المجلة القضائية رقم 02  لسنة 2008، ثم تغيير هذا الاتجاه بصدور القرار رقم  1206937 بتاريخ 2021/01/14، أين اتجه لعدم جواز الدفع بالتقادم المكسب في مواجهة الدفتر العقاري على أساس أنه تمنح للحائز أثناء عملية المسح إمكانية المنازعة في الترقيم المؤقت إداريا وقضائيا .

المحور الثاني الشهر العيني كنظام محقق لأمن العقاري

ظهر في الجزائر نظامين للشهر العقاري وهما نظام الشهر الشخصي الموروث عن الاستعمار الفرنسي الذي يستند أساسا حين إبرام العقود على تداول الأشخاص للعقار، ونظام الشهر العيني المستند على تداول العقار عينا،  ونظرا للعيوب النظام الأول خاصة منها إمكانية أن يباع العقار أكثر من مرة لعدة أشخاص فقد اختار المشرع الجزائري نظام الشهر العيني طبقا للأمر 75/74 المتضمن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري المعدل والمتمم  وكذلك المرسومين التنفيذيين 62/76، 63/ 76غير أنه وبسبب عدم اكتمال عملية المسح العام ما تزال بعض المناطق تخضع لنظام الشهر الشخصي.

الغاية من هذا النظام فضلا على نقل الملكية  -التي إنفردبها المشرع الجزائري – هو إعلام الغير وتمكينه من معرفة كافة التصرفات الواردة على العقار والحقوق العينية العقاريةالتي لا يمكنهم العلم بها لولا وجود هذا النظام، مما ينتج عنه تحقيق الأمن القانوني وتحقيق الثقة في التعامل واستقرار في المعاملات العقارية الأمر الذي يتيح لكل ذي مصلحة الاطلاع على كل التصرفات الواقعة على العقار، مما يضفي الحماية والثقة على كل شخص يريد التعامل في ذلك العقار، ولا يتحقق ذلك إلا بعد إتمام عملية المسح العام للأراضي على كامل التراب الوطني.

الشهر العيني أساس الأمن القانوني في المجال العقاري هذا النظام يرتكز على شهر التصرفات العقارية على أساس العقار محل التصرف، إذ أن كل عقار يحتوي على بطاقة خاصة ضمن السجل العقاري يسجل فيها كل ما يقع على هذا العقار من تصرفات، مما يؤدي إلى استقرار في الملكية وتوفير الثقة، وهذا ما يشجع على التعامل في العقارات ويعزز الائتمان العقاري ولتحقيق هذه الأهداف يجب شهر هذه التصرفات أمام جهة محددة قانونا .

تعتبر عملية الشهر العقاري الأداة التي تنظم هوية لكل عقار وتطهر الملكية العقارية من العيوب التي تشوبها حتى تتحقق الأهداف المرجوة منه وتحرير سند الملكية المتمثل في الدفتر العقاري يكون لهذا الدفتر حجية والقوة الثبوتية من أجل إثبات الملكية العقارية، فلا يمكن مواجهته بأي سند من سندات الملكية الأخرى، حيث كانت تتولى مصالح  المحافظة العقارية والمسح  في الجزائر عملية الشهر العقاري وهذا بموجب المادة 20من الأمر رقم 74-75المتعلق بإعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري  من أجل المحافظة على أصول المستندات المتعلقة بالأملاك العقارية والحقوق العقارية ولها مهام محددة قانونا غير انه بعد صدور المرسوم التنفيذي رقم 251- 21المتضمن حل الوكالة الوطنية لمسح الأراضي تم تحويل أملاكها وحقوقها وواجباتها ومستخدميها إلى وزارة المالية ودمجها مع المحافظة العقارية.

قواعد وشروط الشهر العقاري:

يجب شهر المعاملات العقارية وفقا لضوابط من شأنها أن تُؤمن لها الحماية القانونية والاستقرار في تلك المعاملات وعلى هذا الأساس توجد قاعدتين أساسيتين هما قاعدة الرسمية وقاعدة الشهر إذ أن قاعدة الرسمية أصبحت مشترطة في كل المحررات الخاضعة للحفظ العقاري، والجزاء المقرر عنه هو رفض الإيداع من طرف المحافظ العقاري،  وقاعدة الشهر المسبق لضمان استمرارية سلسلة نقل الملكية العقارية  ولقد سن المشرع الجزائري قاعدة الشهر المسبق كتقنية لدعم فكرة الائتمان العقاري وبالتالي المحافظة على حقوق المالك الجديد حسبما جاء في المادة 88 من المرسوم 63-76 السالف الذكر، فإنه لا يمكن للمحافظ العقاري أن يقوم بشهر أي وثيقة ناقلة للملكية العقارية ما لم يكن لها أصل ثابت في مجموعة البطاقات العقارية،وهذا لتفادي وقوع تصرفات مزدوجة على ذات العقار.

شروط الشهر العقاري:

لمنح التصرفات الواقعة على العقار الحجية المطلقة والحماية القانونية وضع المشرع الشروط المتعلقة بالأشخاص تنص المادة 22 من الأمر رقم 74-75على ما يلي: “يحقق المحافظ في هوية وأهلية الأطراف الموجودة  وكذلك في صحة الأوراق المطلوبة من اجل الشهر وتجدر الإشارة  إلى أن الشروط المتعلقة بتعيين العقارات تختلف عن الشروط الخاصة بتعيين العقارات من عقار إلى آخر، وهذا حسب طبيعته وفي كل الحالات يجب تحديد موقع العقار لمعرفة إن كان العقار ممسوحا أو غير ممسوح  ولكلاهما إجراءات معينة.

آثار الشهر العقاري وحجيته:

الأثر المنشئ للشهر العقاري في السجل العقاري هو الإجراء الأولي لإنشاء العقار و لهذا الشهر العقاري أثر تطهيري.

يتميز نظام الشهر العيني باستحالة تعارض سندات الملكية، فلا يمكن وجود أكثر من سند ملكية لوحدة عقارية الواحدة، فالعبرة في هذا النظام بالعقار وليس بصاحبه، فالبيانات المسجلة في البطاقة العقارية لها القوة الثبوتية المطلقة في مواجهة كافة الناس.

ومع ذلك فقد منح المشرع الحق للأطراف المتعاقدة الطعن قضائيا في الحقوق العينية المشهرة بإحدى الدعاوي المنصوص عليها في المادة 85من المرسوم 63-76 السالف الذكر، حيث تتمثل هذه الدعاوي فيما يلي: دعوى الفسخ، دعوى الإبطال، دعوى الإلغاء، دعوى النقض كما تنص المادة 86 من نفس المرسوم على أنه: ” إن فسخ الحقوق العينية العقارية، أو إبطالها  أو إلغائها أو نقضها عندما تنتج  أثرا رجعيا لا يحتج به على الخلف الخاص لصاحب الحق المهدر،إلا إذا كان الشرط الذي بمقتضاه حصل ذلك الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء أو النقض، قد تم إشهار مسبقا، أو كان الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء أو النقض، بحكم القانون تطبيق للقانون.

ملاحظة أن المادة 86 المذكورة أعلاه نظمت القاعدة الفقهية المعروفة “بما بني على باطل فهو باطل ” فقد إعتبرت أن التصرف الأول الذي يقضي ببطلانه لا يمتد إلى باقي التصرفات إلا في حالة كون من أقدم على التصرف الثاني المراد إعمال هذه القاعدة الفقهية قد وقع بعد شهر العريضة الإفتتاحية أي انه كان سيء النية ويعلم بوجود نزاع . وهو ما توصلت إليه  المحكمة العليا بقرار غير منشور تحت رقم 1129974 صادر بتاريخ 13/12/2018 الذي جاء في حيثياته ” حيث أنه من خلال مراجعة الوثائق المرفقة بعريضة الطعن يتبين فعلا قد تم إلغاء الحكم المؤرخ في 12/05/1998 المودع لدى الموثق وبالتالي كان على قضاة المجلس أن يأمروا بإبطال الإيداع دون تمديد ودون المساس بالتصرفات اللاحقة له مادامت هذه التصرفات بحسن نية تماشيا مع المادة 86 من المرسوم التنفيذي رقم 76/63 ….

المسح العقاري آلية لتطهير العقار في القانون الجزائري:

يُعتبر المسح العقاري أول إجراءات الشهر العقاري، غايته تطهير الملكية العقارية وتثبيتها ومن أجل ذلك نظم المشرع الجزائري هذه العملية بموجب الأمر  74-75المؤرخ في 12نوفمبر 1975 المتضمن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري، حيث تتكفل مصلحة الوكالة الوطنية لمسح الأراضي بعملية مسح الأراضي وذلك بإتباع مرحلتين أساسيتين لإجراء عملية المسح وتتمثل في المرحلة التقنية.

تمر عملية المسح العام للأراضي بإجراءات تحضيرية وتمهيدية، تعتبر الخطوة الأولى لهذه العملية، ويتولى القيام بها أعوان فرق المسح، حيث أن التحضير الجيد لعملية المسح ينعكس إيجاباً على تطهير الملكية بشكل يحقق أمن قانوني في المجال العقاري، وتتمثل أهم إجراءات هذه المرحلة في افتتاح عملية المسح -إنشاء لجنة المسح – وتحديد حدود البلدية وتجزئتها. فافتتاح عملية المسح يكون بقرار من الوالي يتم  نشره في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية يخص بلدية معينة  ثانياً: إنشاء لجنة المسح الذي يرأسها قاضي يعينه رئيس المجلس وتتكون من عدد من الأعضاء، ثالثا مرحلة الترقيم بمجرد الانتهاء من عملية مسح الأراضي تقنيا  تودع وثائق المسح لدى المحافظة العقارية من اجل تحديد حقوق الملكية وشهرها، يقوم المحافظ العقاري بعد تسلمه وثائق مسح الأراضي بترقيم كل العقارات الممسوحة  تقنيا ويتعلق الأمر بنوعين من الترقيمات وهما: الترقيم المؤقت والترقيم النهائي .

1– الترقيم المؤقت:

يتفرع  إلى الترقيم المؤقت لمدة 4أشهر والترقيم المؤقت لمدة سنتين والترقيم المؤقت لمدة 15سنة بالنسبة العقارات غير المطالب  بها تنص المادة 89من قانون رقم 17/11 المتضمن قانون المالية لسنة2018، المعدلة لأحكام المادة 23مكرر من الأمر 74-75 والمعدلة بموجب المادة 66 من قانون المالية لسنة 2025 على أنه: “يُسجل كل عقار تابع لخواص لم يطالب به خلال مدة مسح الأراضي ولم تتمكن مصالح المسح من تحديد مالكه أو حائزه في حساب يسمى “حساب العقارات غير المطالب بها،” ويرقم ترقيما مؤقتا مدة 15سنة من تاريخ إيداع وثائق المسح لدى المحافظة العقارية” ،بحيث يعود سبب التسجيل في هذا الحساب إما لغياب الملاك أو الحائز أثناء سير عملية المسح، وبانقضاء مدة 15سنة ترقم ترقيما نهائيا لفائدة الدولة. يمكن في هذه الفترة لمن يدعي حقا وقع عليه ترقيم مؤقت أن يقدم احتجاج أمام المحافظ العقاري ولهذا الأخير مكنة المصالحة بين الأطراف وفي حالة  فشلها يحرر محضر صلح ويحيل المتنازعين أمام القضاء في مهلة 06 أشهر من  تاريخ تبليغ محضر عدم الصلح ولقد وضعت المحكمة العليا ضوابط إجرائية وموضوعية لهذه المنازعة لغرض المساهمة في عدم تعطيل عملية المسح العام بهذه المنازعات فقد أوضحت بأن مدة السنة أخرى هي مهلة لسقوط الأجل ولا تطبق بشأنها قواعد وقف وقطع التقادم كما اعتبرت أن هذه المنازعة قد تصرف إلي المفاضلة بين السندات أو الفصل في الحيازة الأحق بالتفضيل حسب ما يثيره الأطراف أي أنها منازعة من نوع خاص في حالة عدم المنازعة فيهذا الترقيم وبعد انتهاء المهل حسب الاقتضاء ينقلب إلى ترقيم نهائي ويسلم الدفتر العقاري.

2– الترقيم النهائي :يكون هذا الترقيم نهائي فقط على العقارات التي يستظهرأصحابها على سندات ملكية مشهرة، يحسب  من يوم استلام وثائق المسح الترقيم النهائي  من مصلحة مسح الأراضي للمحافظ العقاري  قبل تعديل المادة 11 من الأمر 75/74 بموجب قانون المالية لسنة 2018  المذكور أعلاه  كان الترقيم يعتبر نهائيا بمقتضى السندات أو العقود أو كل الوثائق الأخرى المقبولة لإثبات حق الملكية أي لم يكن يشترط أن يكون العقد مشهرا، فمثلا كان بإمكان من لديه عقد عرفي ثابت التاريخ قبل سنة 1971 أن يمنح له ترقيم نهائي في حين بعد تعديل المادة 11 فإن صاحب العقد العرفي هذا لابد أن يودعه للشهر وهو نفس الحال بالنسبة لمن لديه عقد رسمي بين سنوات 1970 و1975 قبل إقرار الشهر كوسيلة لنقل الملكية.

مرحلة إعداد التسليم الدفتر العقاري:

يعتبر الدفتر العقاري السند الوحيد لإثبات الملكية في المناطق الممسوحة.يتم إعداد الدفتر العقاري بكيفية واضحة ومقروءة بالحبر الأسود الذي لا يمحي، والبياض يُشطب عليه بالخط والجداول مرقمة وُموقعة، وتُكتب ألقاب الأطراف بأحرف كبيرة وأسمائهم بأحرف صغيرة، ويمنع التحشير والكشط أو السهو تصحح عن طريق الإحالات، بحيث تكون مسجلة بتاريخها بعدالتأشير.

دور المحكمة العليا في تحقيق الآمن العقاري من خلال الاجتهاد والتوحيد

تلعب المحكمة العليا كجهة قضائية العليا في الجزائر دورا مهما ومحوريا في تجسيد الأمن القضائي في المنازعات العقارية من خلال أولا الاجتهاد القضائي وثانيا توحيد العمل القضائي فبعد صدور قرار الغرف المجتمعة المؤرخ في 17/02/1997 والذي أملته  ظروفتباين عرفه قضاء الموضوع بين من يعتبر التصرف الوارد على العقار بالعقد العرفي يمكن تسوية وضعيته بإلزام الأطراف بالتوجه للموثق وبين من يعتبره ركن في العقد ومن ثمة لا يمكن إلزام الأطراف بالتوجه للموثق  والاكتفاء برفض الدعوى لعدم التأسيس فكان لزاما ان تتدخل المحكمة العليا آنذاك لحسم الموضوع  بموجب هذا القرار الذي انعقد بكل غرف المحكمة العليا مجتمعة وبلغ في وقته لقضاة  المحاكم والمجالس القضائية  بغرض تطبيقه وتم نشره في المجلة القضائية كما سبق ذكره،

فصلت المحكمة العليا في العديد من القرارات بشان دعوى البطلان التي تعد من أبرز الدعاوي التي تعيق  الوصول لأمن عقاري بالقول أن دعوى البطلان لا تكون إلا حين ينصرف البطلان  إلى ركن من أركان العقد وهو الرضا أو المحل أو السبب او الشكلية عند ا لاقتضاء. وتحث قضاة الموضوع بتحديد وبدقة حالة البطلان  سواء كان مطلقا أو نسبيا كما أنها تؤكد في العديد من القضايا الأخرى القضاة بان المشرع لم يرتب جزاء البطلان في دعوى الغبن في بيع العقار وإنما تكملة الثمن مع بقاء العقد قائما وفي نفس السياق أكدت بان دعوى الشفعة يحل فيها الشفيع محل المشتري ولا تؤدي للبطلان.

كما أنه في دعاوى المتعلقة ببطلان العقد بسبب مرض الموت فقد حددت في العديد من القرارات حالة  مرض الموت وتحديدا بالرجوع لمبادئ الشريعة الإسلامية  على أن مرض  الموت والحالات المخيفة تثبت بكون المتعاقد يقعد عن قضاء حوائجه المعتادة  ويؤدي للوفاة في مهلة سنة وذلك  بغية جعل هذه المعاملات تستقر،  كما اعتبرت أن التصرف الذي يقع من شخص على أساس انه ناقص أو فاقد الأهلية لا يكون إلا بعد صدور حكم بالحجر نهائيا ولا يكفي الادعاء بحالات الحجر وهو قضاء مستمد مما استقر عليه المذهب المالكي الذي يعتبر الحجر لا يكون إلا بحكم حاكم .

و اعتبرت بان عقد الوقف باعتباره عقد مؤبدا لا يثار بشأنه التقادم، أي لا يسقط بالتقادم القرار الصادر بتاريخ 07/10/2020 تحت رقم 1345727 منشور في المجلة القضائية لسنة 2020 .

و لقد كرست من جهة أخري في دعاوى الفسخ في حالة ما إذا قدر قضاة الموضوع أن دعوى فسخ العقد تكون قليلة الأهمية ويرفض  طلب فسخ  العقد للإخلال بالالتزام القليل الأهمية تعتبر ذلك مسالة تندرج ضمن السلطة التقديرية للقضاة، كما ان المحكمة العليا وفي إطار حماية الغير تعتبر شهر العريضة الافتتاحية إجراء من النظام العام يثيره القاضي من تلقاء نفسه.

في حين تبقي مسألة في غاية من  الأهمية و هي تلك المتعلقة برفع الدعاوي بعد مرور مدة طويلة فإن الدفع بالتقادم بالنسبة لرفع دعوي الإبطال او البطلان  في القانون الجزائري ليس من النظام العام  ومنه لا يمكن للقاضي أن يثيرها من تلقاء نفسه بل ينتظر إن تثار من الأطراف .

ثانيا :  توحيد العمل القضائي فقد عملت المحكمة العليا على استحداث خلية لتوحيد العمل القضائي وذلك بعدما تتولى مصلحة الوثائق رصد أي تباين بين الغرف المدنية وأقسام الغرفة العقارية من بين الأهداف المسطرة تكريس الأمن العقاري بإرساء مبادئ قضائية جسدت في مذكرات عمل تولي السيد الرئيس الأول للمحكمة العليا إصدارها مبلغة للقضاة تجسد فعليا هذا التوجه في المجالات الآتية:

الحالة الأولي :اعتبر أن عقد البيع الرسمي لا يشترط فيه حضور شهود لصحته وانعقاده لأنه من عقود المعاوضة فهو صحيح ومنتح لأثاره بمجرد توافق إرادة أطرافه فضلا عن إخضاعه للشكلية متى تطلبها القانون

الحالة الثانية : اعتبر أن عدم شهر العريضة الافتتاحية للدعوى من النظام العام في القضايا المتعلقة بفسخ وإبطال وتعديل أو نقض الحقوق القائمة علي عقود مشهرة.

الحالة الثالثة : اعتبرت أن العقد المحرر من القاضي الشرعي سابقا عقد رسميا كما اعتبرت أن العقد التوثيقي المحرر بغير اللغة العربية باطلا بعد صدور قانون التوثيق الذي رتب الجزاء .

الحالة الرابعة:هذه الحالة تطرح عموما بالنسبة للعقارات التي لم تخضع بعد لعملية المسح العام إذا تمسك خصمان بملكية نفس العقار و كان لكل واحد منهما سند ملكية، وجب ترجيح سند الملكية الأكثر مطابقة للقانون الذي نشأ بموجبه، و إلا وجب إبطال أحد السندين قضاء.  و لا مجال لإعمال قاعدة الأولوية والأسبقية في التاريخ، التي لا تسند إلى أي نص أو أية قاعدة قانونية في مجال استحقاق الملكية  .

الحالة الخامسة :للحسم في مسالة رسمية عقد الوعد بالبيع بكونه يرتب حق شخصي توصل توحيد المحكمة العليا للقول بأنه يحرر عقد الوعد ببيع عقار وجوبا في شكل الرسمي حتى ينتج أثاره بين المتعاقدين غير أنه لا يستوجب شهره ما دام لا ينقل الحق العيني العقار كما توصلت إلى ان الشهر لا يعد ركنا في العقد وإنما إجراء مقرر قانونا لنقل الملكية .

المحور الثالث: رقمنة المعاملات العقارية لتدعيم الامن العقاري

(آلية عصرنة التوثيق ورقمنة إدارة المسح والحفظ العقاري )

وضعت الدولة في سعیها لتجسید الرقمنة على مستوي إدارة مسح الأراضي والحفظ العقار يعدة آليات التي بموجبها تم رقمنة أعمال وخدمات الإدارة  فضلاعلى إدراج المعاملات الإلكترونية وذلك بإمكانية تحرير العقود الإلكترونية انطلاقا من قناعة مكرسة بان الرقمنة تعد أحد الوسائل الحديثة لتجسيد الأمن العقاري وهي ما يلي:

الشباك الوحيد:

یهدف الشباك العقاري الموحد إلى تحیین المعلومات وضمان التوافق بین قاعدة البيانات المسحية والسجل العقاري والذي يسمح من خلاله لكل عون المحافظة العقارية الولوج إلى المعلومات والبيانات للقيام بعمليات التحیین الضرورية وهذا بواسطة الوحدة التطبيقية الخاصة بالتحیین التوافقي وهذه الوحدة التطبيقية الخاصة بالتحیین الجدید المنبثق عن إشهار العقود

منــصة العــقار تحت تسمية فضاء الجزائر :

تم إطلاق هذه المنصة بعد دمج الوكالة الوطنية لمسح الأراضي ومدیرية الحفظ العقاري منذ شهر جانفي 2022وتم فتحها تدريجيا اعتبارا من شهر ماي 2022 للقطاعات المؤسساتية المتعاملين الاقتصاديین والمواطنین تم وضع منصة حیز الخدمة شهر مارس 2023 وأدرج فیها كل الوثائق التي تسلم من مصالح المسح العقاري مع تعزيزها قاعدة البيانات التي تم إنجازها على مستوى المحافظات العقارية والتي تتعلق جلها بالإشهار العقاري والدفع الإلكتروني عن بعد، الإیداع الإلكتروني للعقود الرسمية من طرف له الحق قانونا بتحريرها ،مع توفیر وسائل تقنية.

الخدمات المقدمة للمواطنین:

تقدم الخدمات للمواطنین وكذا مستعملي المعلومات العقارية، كطلب مخطط مسح الأراضي والمراجع المسحية من مجموعة ملكية والقسم وغیرهاـ طلب مستخرج من حالة القسم،  طلب نسخ من عقود مشهرة،  أو جداول قید الرهن أو شطبها.

لقت هذه المنصة استحسنا كبيرا خاصة من طرف المهنين كالموثقين والخبراء لكونها تتيح  لهم عن بعد الحصول علي معلومات ووثائق دون عناء التنقل إلى  الإدارة وتشعرهم بالأمان وهم يقومون بأعمالهم المقررة قانونا.

ختاما وللإجابة على الإشكالية المطروحة يتبين من خلال الموضوع بأن المنظومة التشريعية الجزائرية في مجال المعاملة العقارية عامة قد وفقت بإقرار الرسمية والشهر في التصرفات العقارية بغية تحقيق الأمن القانوني، والقضائي والذي لا يتحقق إلا بتطهير العقار من كل العيوب التي يشوبه، وتسليم سند رسمي للملاك حتى يكون حجة على الغير.

 فرض المشرع الجزائري الرسمية في كل المعاملات العقارية الناقلة للملكية وبتخلفها يكون العقد باطلا بطلانا مطلقا، إضافة إلى فرض شهر العقار في المحافظة العقارية والهدف منه هو نقل الملكية أساسا و إعلام الغير بالوضعية القانونية للعقار بالنسبة للغير حتى يكون المتعاملين فيه في أمان، هذا الأمان الذي لا يتكرس تماما  إلا باستيفاء إجراءات المسح العقاري في إطار نظام الشهر العيني الذي تبناه المشرع الجزائري بعد توجهه نحو التخلي عن نظام الشهر الشخصي الذي لا يحقق الأمن القانوني  ومع ذلك ونظرا لعدم استكمال عملية المسح العام نظرا لشساعة الإقليم فقد استحدث عدة قوانين تتيح  لمن يحوز على سند ملكية تجاوزه الزمن و لا يعكس الوضعية الحالية للعقار أن يقوم بتحديثه وتحيينه بسن قانون التحقيق العقاري  07/02 في انتظار عملية المسح العام  وهو نوع من المسح الذي يكون بناءا على طلب .كما أن المشرع وفي إطار الحفاظ على الأمن العقاري، خول للأطراف الحصول على سندات حيازة عن طريق شهادة الحيازة بموجب عقد رسمي مشهر يحررها رئيس المجلس الشعبي البلدي المقررة في قانون التوجيه العقاري وقد فصلت المحكمة العليا لحماية هذه الوثيقة بالقول أنه لا يمكن أن يدحض عكس ما ورد فيها إلا عن طريق دعوى البطلان أمام القضاء المختص على عكس الحيازة العادية التي تثبت بجميع طرف الإثبات المقررة قانونا .


[1]  لقانون 70/91، الصادر بتاريخ 25 ديسمبر 1970، المتضمن قانون التوثيق.

[2] – الأمر 75/74، الصادر بتاريخ 12/11 1975، المتضمن إعداد المسح العام وتأسيس السجل العقاري.

[3] – القانون 75/58  الصادر بتاريخ 25 سبتمبر 1975 .

[4] – المرسوم ( تشريع فرعي)  76/63، المؤرخ في 25 مارس 1976، المتعلق بتأسيس السجل العقاري.

[5] – الامر 06/03/المؤرخ في 15/يوليو 2006 المتضمن القانون الأساسي للوظيف العمومي المعدل والمتمم

[6] – القانون 06/02 المؤرخ في 20 فبراير 2006 يتضمن تنظيم مهنة الموثق .

[7] – ومنها القانون الموريتاني الذي نص صراحة في نص المادة  318 من مدونة الحقوق العينية الصادر في سنة 2017 عليان  الحق المرسم لا يتقادم  وليس  لأي كان أن يتمسك بالحوز مهما طالت مدته “